ترجمة للقاء مع Evgeny Morozov بعنوان “No, It’s Not Techno-Feudalism. It’s Still Capitalism.” منشور على موقع Jacobin.
يجادل بعض المفكرين بأن الرأسمالية، كما عرّفها ماركس، قد انتهت، وأننا ندخل حقبة أشبه بالإقطاع الرقمي الجديد. لكن يفجيني موروزوف يرى أن هذا غير صحيح. لفهم كيفية عمل الرأسمالية اليوم، يجب على الماركسيين التخلّص من تحيّزهم للمصنع كنموذج أساسي.
إنّ قوة التكنولوجيا والتمويل، إلى جانب الشعور المتزايد بأن النظام يحكمه الجشع السافر أكثر من الاستغلال التقليدي للعمل، دفعت مفكرين من اليسار الماركسي وصولًا إلى اليمين النيوليبرالي وحتى النيو–رجعي إلى الاقتناع بأننا غادرنا عهد الرأسمالية بالكامل ودخلنا عصرًا من الإقطاع الجديد.
في مقاله “نقد العقل الإقطاعي التقني“ الذي نُشر في New Left Review، يجادل يفجيني موروزوف بأن هذه الحقبة القاتمة التي نعيشها لا تزال رأسماليةً بامتياز.
يعتقد بعض الباحثين أن الرأسمالية لم تعد القوة التنافسية والمبتكرة التي تحقق فائض القيمة من خلال استغلال العمل الذي يبدو ظاهريًا وكأنه يتم عبر عقود طوعية. بل يجادلون بأن الرأسماليين يعتمدون بشكل متزايد على القوة السياسية الصرفة لانتزاع رأس المال بالقوة، عبر وسائل تشمل الإيجارات ورأس المال الرخيص الذي توفره الحكومات، وهي أساليب لاستخراج الفائض تبدو أقرب إلى الإقطاع.
لكن موروزوف يرى أن أشكال التجريد السياسي ونزع الملكية، وكذلك الأفعال القسرية مثل “إرهاب الإيجار“، ليست استثناءات أو خروجًا عن الرأسمالية، بل هي سمات أساسية لها. ويؤكد في النهاية أن أي استنتاج بأننا ندخل عصر الإقطاع الجديد ينبع من تصوّر ضيق جدًا لماهية الرأسمالية وقوانين إعادة إنتاجها.
يجيني موروزوف كاتب معروف بكتاباته حول التكنولوجيا والسياسة، وهو حاصل على دكتوراه في تاريخ العلوم من جامعة هارفارد، ومؤسس منصة The Syllabus، وهي خدمة لتنظيم المعرفة. من المقرر أن يطلق لاحقًا هذا العام بودكاسته The Santiago Boys، الذي يتناول التاريخ الراديكالي للحوسبة والتخطيط السيبراني في أمريكا اللاتينية.
أجرى موروزوف مقابلة مع دان دينفير، مقدّم بودكاست The Dig التابع لـ Jacobin Radio، للحديث عن “أطروحة الإقطاع الجديد“ واستمرارية الرأسمالية. يمكنكم الاستماع إلى المقابلة من هنا، وقد تم تحريرها من أجل الإيجاز والوضوح.
أنماط الإنتاج: الإقطاعي والرأسمالي
دانييل دينفير: ما الذي دفع العديد من المفكرين إلى الاعتقاد بأننا نخرج من الرأسمالية تمامًا بسبب صعود التكنولوجيا الرقميةا؟ وأين تندرج سمات العصر النيوليبرالي الأخرى، مثل الأمولة والعولمة، مع هذا السرد؟
يفجيني موروزوف: هناك حجة—تُطرح في الغالب من اليسار، ولكن أيضًا من اليمين—تقول إن الرأسمالية لم تعد كما كانت. لا أحد يدّعي أن الرأسمالية كانت نظامًا مثاليًا، لكن حتى بين منتقديها، وعلى رأسهم ماركس، كان هناك إجماع على أن الرأسمالية أنتجت نوعًا من الابتكار.
من خلال إخضاع المشاركين في السوق للمنافسة، أجبرتهم على تطوير ممارسات جديدة، والانخراط في تقنيات إنتاج حديثة، وصنع منتجات جديدة، والمضي قدمًا بالمجتمع إلى حد ما—وإن كان ذلك بتكاليف معينة.
بعض الماركسيين سيخبرونك بأنه من المستحيل الانتقال إلى المرحلة التالية، أي الاشتراكية، دون المرور أولًا بالرأسمالية. يمكننا تجاوز هذا الجدل. لكن الفكرة الأساسية التي طالما ارتبطت بالرأسمالية هي أنها نظام يغذّي الابتكار.
في الآونة الأخيرة، بدأ الكثيرون يجادلون بأن النظام الذي نراه اليوم ربما يكون في حالة ركود، وأنه أصبح خاضعًا لهيمنة “الريعيين“، وفقد حافزه الابتكاري إلى حد ما. ويعزون ذلك إلى عدة عوامل في الاقتصاد العالمي، بعضها يتعلق بالتمويل، والبعض الآخر بحقيقة أن هناك المزيد والمزيد من الأموال التي تُدفع مقابل الملكية الفكرية بأشكالها المختلفة، مثل براءات الاختراع والعلامات التجارية ورسوم الامتياز، وما إلى ذلك.
خدمات معينة، مثل الذكاء الاصطناعي، أصبحت جوهرية في طريقة عمل العديد من الشركات. ويشير البعض إلى هيمنة قطاع العقارات. هناك العديد من الاتجاهات والميول في النظام الحالي التي تؤدي إلى نتائج أخرى غير الابتكار.
وقد أدى ذلك إلى أن يستخدم عدد قليل من الأشخاص النافذين وسائل غير اقتصادية بدلًا من المنافسة التقليدية في السوق، مثل الاعتماد على قوة القانون أو احتكار الوصول إلى أنواع معينة من المعرفة أو البيانات. إنهم يستخدمون هذا الامتياز الحصري لتحقيق الأرباح دون أن يساهموا فعليًا في الديناميكية الابتكارية التي لطالما ارتبطت بالرأسمالية.
هذه هي الحجة الأساسية، لكن البعض يأخذها إلى مستوى أبعد. فهم لا يقولون إن ما نشهده هو مجرد ركود داخل الرأسمالية، أو مجرد تحول ريعي داخلها، بل يزعمون أنه في الواقع عودة إلى الإقطاع.
هذا النظام الجديد ليس مجرد إقطاعي، بل إقطاعي تقني، بمعنى أن التكنولوجيا تلعب دورًا محوريًا في تمكين هذه الاتجاهات الجديدة.
دانييل دينفير: يدور هذا الجدل حول ما إذا كنا ندخل حقبة إقطاعية جديدة ونغادر الرأسمالية إلى حد كبير بناءً على كيفية فهمنا لهذين المصطلحين. وقد خضع كلا المفهومين لنقاش مكثف وجدال حاد داخل الماركسية، لا سيما خلال الستين عامًا الماضية.
لذا، لنبدأ بتعريف الإقطاع والرأسمالية من منظور ماركسي، وكذلك تحديد الفروق الرئيسية بين هذين النمطين من الإنتاج وفقًا لما حدده ماركس ومختلف الماركسيين.
يفجيني موروزوف: سؤالك يحتوي بالفعل على جزء من الإجابة، لأن الماركسيين، في العموم، يرون أن كلًا من الإقطاع والرأسمالية هما أنماط إنتاج، وليس مجرد أنظمة اجتماعية واقتصادية مبهمة. إنهما لا يُعرّفان بناءً على مستوى الحقوق السياسية أو الاجتماعية التي يتمتع بها الأفراد.
من وجهة النظر الماركسية، يكمن الفرق الجوهري بين الإقطاع والرأسمالية في نمط الإنتاج ذاته. هذا أحد القفزات المعرفية التي قام بها ماركس، إذ نظّر لفكرة أن الأنظمة الاجتماعية يجب أن تُفهم وتُقارن استنادًا إلى هذا المفهوم الأساسي.
عند النظر إلى الإقطاع، نجد أن جوهره يتمثل في كيفية إنتاج الفائض الاقتصادي وتوزيعه. وهذا، في ذاته، هو ما يعنيه نمط الإنتاج. ربما لا يكون هذا التعريف هو الأكثر أرثوذكسية في الماركسية، لكنه يوضح أن المسألة تتعلق بالكيفية التي يتم بها إنتاج الفوائض الاقتصادية وتوزيعها. ومن هنا، يمكن إجراء تحليلات إضافية حول كيفية ارتباط ذلك بالفلسفة العامة للتاريخ.
هنا تظهر النقطة المثيرة في فكر ماركس. حيث يجادل ماركس بأن هناك خصائص معينة داخل الرأسمالية قد تمنعها من تحقيق كامل إمكانياتها الابتكارية بسبب علاقات الإنتاج الاجتماعية فيها. إذ تتحكم بعض الطبقات في تقنيات معينة، وكما يقول الماركسيون، فإن السيطرة على وسائل الإنتاج أمر أساسي. وبسبب هذا التحكم، لا يمكن تحقيق مستوى التقدم الاجتماعي المتوقع بناءً على درجة تطور التكنولوجيا أو المجتمع. ولهذا، يرى ماركس أن الاشتراكية، ثم الشيوعية كمرحلة نهائية، ستكون ضرورية كنمط إنتاج متطور.
أما إذا عدنا إلى الإقطاع كنمط إنتاج سابق، فإننا نتحدث بشكل أساسي عن اقتصادات زراعية يقوم فيها الفلاحون إما بالتحكم في وسائل عيشهم أو امتلاك إمكانية الوصول إليها.
في الإقطاع، لا نتحدث حتى عن “وسائل الإنتاج” بالمعنى الماركسي الحديث، بل عن “وسائل العيش” (وسائل الكفاف). فالفلاح قد يمتلك حقلًا أو قطعة أرض زراعية يعمل عليها باستقلالية نسبية.
لكن بسبب الترتيبات السياسية، يأتي الإقطاعي—سواء مرة في الشهر أو في السنة—ويقوم بمصادرة أو انتزاع الفائض الاقتصادي الذي ينتجه الفلاح ويمكنه الاستغناء عنه. هذه العملية لا تتم عبر آليات غير مرئية أو خدّاعة؛ بل تتم بالقوة المباشرة.
بالطبع، هناك نظام سياسي يدعم عملية الاستيلاء على هذا الفائض، وهو ما يمنح الإقطاعيين درجة من الحماية. وبسبب غياب المنافسة بينهم، لا يواجه الإقطاعيون أي حوافز للابتكار أو لتخفيض التكاليف أو لإدخال تقنيات جديدة أو أساليب موفرة للعمالة.
من وجهة النظر الماركسية، غالبًا ما يؤدي هذا النظام إلى الركود الاقتصادي والاجتماعي. ويمكننا أن نناقش كيفية التحول من الإقطاع إلى الرأسمالية، لكن الأهم بالنسبة لبعض المنظّرين، وعلى رأسهم روبرت برينر (الذي تناولته بالتفصيل في كتاباتي)، هو أن الرأسمالية تتميز بديناميكيات مختلفة تمامًا.
ففي ظل الرأسمالية، لم يعد الإقطاعيون السابقون قادرين على الاعتماد على المصادرة السياسية للفائض الاقتصادي من أتباعهم. بل أصبحوا مضطرين إلى دفع أجور مقابل العمل. وهذا يخلق حافزًا قويًا لديهم لخفض التكاليف من خلال الأتمتة والتكنولوجيا، أي تقليل الحاجة إلى العمل البشري. وهكذا تصبح الرأسمالية نظامًا يعمل بشكل منهجي على إنتاج الابتكار.
وهذا هو السبب وراء التقدم الاقتصادي الهائل الذي شهدناه خلال القرنين الماضيين بالتزامن مع التصنيع.
إذن، الفرق الجوهري بين النظامين، وفقًا لبعض المدارس الماركسية، يكمن في أن الرأسمالية تتميز بتنافسية عالية تدفعها نحو الابتكار، على عكس الإقطاع الذي يعاني من الركود بسبب غياب المنافسة بين الإقطاعيين.
دانيال دينفير: النظرية التي وصفتها ترسم تمييزًا صارمًا وواضحًا بين هذين النوعين من استخراج الفائض. كيف يؤدي ذلك، في رأيك، إلى تضليل البعض في تحليلهم للنظام السياسي–الاقتصادي الحالي؟
إيفجيني موروزوف: أولًا، أنا لست مؤرخًا للإقطاع بأي حال من الأحوال. أنا أستند إلى الأدبيات الثانوية. لذا فإن كل ما أعرفه عن آليات ووسائل استخراج الفائض في ظل الإقطاع، أعرفه من خلال أعمال مؤرخين بارعين في تاريخ الإقطاع والرأسمالية. ربما يكون من الأسهل البدء بالرأسمالية ثم رسم الفروقات مع الإقطاع.
وفقًا للرؤية الماركسية التقليدية، فإن العمل هو العنصر الذي يجب علينا تحليله. وهناك شيء فريد جدًا بشأن العمل بوصفه سلعة، حيث إنه المسؤول عن هذا الإنتاج الهائل وتداول فائض القيمة في ظل النظام الرأسمالي.
ربما لا نحتاج إلى تكرار كل ما قاله ماركس عن الاستغلال والطريقة التي يتم بها توليد فائض القيمة في عملية العمل. ولكن الخلاصة الأساسية من ذلك التحليل الماركسي هي أن العمل يتحول إلى سلعة، وهذه السلعة ليست مثل غيرها. فهي لا تُسعَّر بالطريقة التي ينبغي أن تُسعَّر بها.
إذا نظرت إلى النظام من الناحية الهيكلية، سترى أن هناك عمليات معينة مدمجة فيه تؤدي إلى استغلال العمل، مما يؤدي إلى تدفق القيمة من العمال إلى رأس المال، أو من العمال إلى أولئك الذين يمتلكون وسائل الإنتاج. ولكن هذا لا يحدث بشكل صريح. لا أحد يجبرك على ذلك. لا أحد يضربك، على الأقل في ظل الرأسمالية التي تعمل “بشكل صحيح“. فالنموذج المثالي للرأسمالية يبدو نظيفًا. وهذا لا يعني أنها لا تعتمد على قوة الشرطة أو على تجويع الناس. حتى في ظل الشروط المثالية تمامًا، فإن الطريقة التي يعمل بها النظام الرأسمالي هي أنك تذهب لبيع عملك، ومع ذلك، فإنك كعامل لا تزال تُنتقص حقوقك.
الخلاصة هي أن كل ذلك يحدث بشكل غير مرئي، وهو قانوني بالكامل. كل شيء يبدو “نظيفًا“.
أما في ظل الإقطاع، فالأمر على العكس تمامًا. يتم استخراج الفائض بشكل واضح تمامًا، لذا لا أحد ينكره. كنت تذهب وتحصد وتعمل في أرضك، ثم يأتي شخص ما في نهاية الشهر أو السنة ليأخذ كل ما تبقى لديك مما لم تستهلكه لإعادة إنتاج نفسك. ومرة أخرى، يحدث ذلك بطريقة أكثر عنفًا ووضوحًا وصراحة.
بالطبع، يمكن تبريره بوسائل مختلفة، سواء من خلال التقاليد الدينية أو باللجوء إلى الأيديولوجيا. هناك العديد من الطرق لتبرير سبب حدوث ذلك، لذا ليس بالضرورة أن يكون عنيفًا طوال الوقت. لكن ما يدعمه في الأساس هو القوة.
ومرة أخرى، لا أقول إن الرأسمالية تعمل دون تدخل الدولة أو دون استخدام القوة لفرض العقود، ولكن في الرأسمالية، من المفترض أن يتم كل شيء بطريقة أنظف بكثير. من المفترض أن يقتنع العمال بأنهم لا يتعرضون للاستغلال.
دانيال دينفير: تجادل بأن بعض الماركسيين يعتقدون أننا قد عدنا إلى الإقطاع بسبب كل هذه القوة السياسية الصريحة التي مورست في السنوات والعقود الأخيرة لإعادة توزيع الثروة لصالح الطبقة الرأسمالية، أي من خلال ممارسات المصادرة الواضحة بدلًا من الاستغلال “النظيف” المثالي.
وتكتب أن هذا النهج وهؤلاء المنظّرين الذين يركزون بشكل متزايد على المصادرة السياسية يرون
أن النظام الرأسمالي مدفوع فقط بديناميكياته الداخلية من المنافسة والاستغلال، مع اعتبار المصادرة السياسية أمرًا خارج حدوده تمامًا. وفقًا لهذا المنظور، فإن تراكم رأس المال يتم فقط من خلال وسائل “نظيفة” لاستخراج الفائض اقتصاديًا. إن وجود عمليات خارجية تمكّن المصادرة—مثل العنف، والعنصرية، والتجريد من الملكية، والتلوث البيئي—لا يتم إنكاره، ولكن يجب تحليله كعناصر غير رأسمالية إضافية؛ قد تكون هذه العمليات قد ساعدت بعض الرأسماليين الأفراد في جهودهم للاستحواذ على فائض القيمة، لكنها تظل خارج عملية التراكم الرأسمالي بحد ذاتها.
ما هي التيارات الماركسية التي قدمت تاريخيًا هذا التحليل الذي لخصته للتو؟ وما هي أمثلة المصادرة السياسية التي يقصدونها؟ وأخيرًا، كيف ترى أن هذا التقليد الفكري يجعل الماركسيين غير مستعدين لفهم التغيرات التي نشهدها حاليًا في النظام السياسي–الاقتصادي؟
إيفجيني موروزوف: لقد كانت هذه النظرة، ولا تزال، التيار المهيمن والتفسير السائد داخل الماركسية. لذا، إذا نظرت حقًا إلى الماركسيين الأرثوذكس—أي أولئك الذين يدرسون كتاب رأس المال ويعاملونه كنصهم الأساسي، دون أن ينحرفوا إلى الثامن عشر من برومير أو الجروندريسه أو غيرها من النصوص التكميلية العديدة لماركس وإنجلز—فإنهم سيظلون متمسكين بهذا الموقف، وهو أن الرأسمالية في جوهرها نظام يعمل من خلال المنافسة ويتوسع من خلالها، وأن كل ما يحدث خارج هذا الإطار يهدف في النهاية إلى تمكين الرأسمالية من استغلال العمل بشكل أكثر كفاءة وفعالية، والحصول على قدر أكبر من فائض العمل.
العديد من الماركسيين غير الأرثوذكس يتبنون هذا الرأي ضمنيًا أيضًا، حتى وإن كانوا يعمقون التحليل قليلًا. على سبيل المثال، شهدنا في العقود القليلة الماضية تركيزًا كبيرًا على أهمية إعادة الإنتاج الاجتماعي. لكن بالنسبة للعديد من هؤلاء المنظرين، فإن إعادة الإنتاج الاجتماعي نفسها تشكل جزءًا أساسيًا من الرأسمالية. فهم يحللون ما يحدث خارج نطاق المصنع التقليدي، ولكن بهدف تفسير كيف أن جميع هذه العوامل الأخرى—مثل عمل المرأة والأسرة—تسهم في جعل رأس المال والرأسمالية داخل المصنع، أي في المجال الفعلي للإنتاج، أكثر إنتاجية وفعالية.
لذلك، يمكنني القول إن هذه النظرة كانت ولا تزال السائدة بين الماركسيين. وأي شخص يشكك في هذا الرأي سيُعتبر على الأرجح خارجًا عن الماركسية، وقد يُصنَّف في أفضل الأحوال على أنه ما بعد ماركسي، أو ربما نيو–ماركسي، أو حتى غير ماركسي تمامًا.
بعض الأشخاص الذين أستشهد بهم في المقال، مثل نانسي فريزر، حاولوا إظهار كيف يمكن للمرء أن يظل داخل التقاليد الماركسية، ويبقى وفيًا لهذه العملية الجدلية، التي تتضمن التفاعل بين الاستغلال—وهو الديناميكية الأساسية للرأسمالية كما يراها الماركسيون الأرثوذكس—وبين الاستحواذ، الذي يُنظر إليه عند معظم الماركسيين على أنه مجرد وسيلة تمكّن الاستغلال.
لكننا لا نعرف حقًا ماذا يعني أن يقبل الماركسيون كلا هاتين الديناميكيتين على قدم المساواة في تشكيل الرأسمالية، بدلاً من اعتبار الاستحواذ مجرد عنصر ثانوي مقارنةً باستغلال العمل، الذي لا يزال يُنظر إليه على أنه الديناميكية الأساسية.
التراكم البدائي، الجنوب العالمي، ونزع الملكية
دانيال دينفير: لقد كتبت:
الخيار الآخر، وهو أكثر تعقيدًا من الناحية التحليلية ولكنه أكثر إقناعًا من الناحية البديهية، هو الاعتراف بأن الرأسمالية—على الأقل الرأسمالية التاريخية التي نعرفها، وليس الرأسمالية النقية في النماذج المجردة—لا يمكن تصورها بدون كل هذه العمليات الخارجية. ليس من الضروري إنكار مركزية الاستغلال في النظام الرأسمالي لرؤية كيف أن العنصرية أو النظام الأبوي قد ساهما في خلق الظروف التي جعلت هذا النظام ممكنًا. هل كان النظام الرأسمالي في الشمال العالمي سيتطور بالطريقة التي تطور بها لو لم يتم الاستحواذ المنهجي على الموارد الرخيصة من الجنوب العالمي؟
لقد كان هذا التحليل قائمًا منذ فترة طويلة، ولكنه كان مطروحًا بشكل خاص من قبل منظّري النُّظم العالمية مثل إيمانويل والرشتاين. ما الذي يضيفه مثل هؤلاء المنظّرين إلى الماركسية؟ ولماذا كان فهمهم للرأسمالية كعملية تاريخية وعالمية غير متكافئة جغرافيًا هو ما قادهم إلى هذه الاستنتاجات المحددة؟
إيفجيني موروزوف: يعتمد الأمر على الزاوية التي يُكتب منها هذا التحليل. بالنسبة للعديد من منظّري النظم العالمية، عندما أجروا هذا التحليل في أواخر الستينيات أو أوائل السبعينيات، كانوا يرون أنفسهم مرتبطين إلى حد ما بجهود حركة عدم الانحياز، التي كانت تضم دولًا في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا؛ أي الدول التي كانت، بطريقة أو بأخرى، تقع في هوامش النظام العالمي وليس في مركزه، حيث ركّز معظم التحليل الماركسي والماركسيين اللاحقين في السابق.
حدث معظم هذا التنظير حول الرأسمالية في المملكة المتحدة. هذا ما حلّله ماركس؛ فقد درس عملية التصنيع هناك وكيف تطورت الرأسمالية، واستخلص العديد من الرؤى المهمة. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الرؤى المستمدة من بريطانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر يصعب جدًا تطبيقها على بلدان مثل البرازيل أو تشيلي أو فيتنام في القرن العشرين.
وهنا يأتي دور شخصيات مثل إيمانويل والرشتاين، وأندريه جوندر فرانك، وجيوفاني أريجي، حيث بدأوا في الإشارة إلى الفجوات الكبيرة في السردية التي تقدمها الماركسية التقليدية. لقد حاولوا التفكير في تطور الرأسمالية من منظور الأطراف، وليس المركز. ولم يكن هذا التحليل مجرد مساهمة أكاديمية في النقاشات النظرية (على الرغم من أن العديد منهم كانوا منخرطين في ذلك أيضًا)، بل كان لديهم أيضًا ارتباط وثيق بالحكومات الاشتراكية واليسارية في تلك الدول، وهو ما كان لا يزال ممكنًا قبل صعود النيوليبرالية.
لقد حاولوا النظر إلى الأمر من منظور عملي للغاية: من هم حلفاؤك؟ إذا كنت تفكر حقًا في بديل للتنمية الرأسمالية، فهل يمكن أن يكون البرجوازيون المحليون والوطنيون هم الحلفاء، لأنك بحاجة أولًا إلى ثورة رأسمالية في بلدك قبل أن تتمكن من تحقيق ثورة اشتراكية؟ أم أن البرجوازية قد اندمجت بالفعل بالكامل في النظام الرأسمالي العالمي، ولديها وسائلها الخاصة للبقاء، وبالتالي يجب استبعادها تمامًا كقوة ثورية؟
لذلك، تأتي العديد من هذه الأسئلة والانتقادات للماركسية التقليدية وفهمها للإقطاع والرأسمالية من مخاوف عملية جدًا. وهذه المخاوف لم تطرح بالضرورة من قبل الحركات العمالية في إنجلترا أو فرنسا أو ألمانيا، أو حتى في الولايات المتحدة، حيث نشأت الأفكار الماركسية عادةً في قلب النظام الرأسمالي.
لمدة عشر أو خمس عشرة سنة، من أوائل الخمسينيات حتى منتصف الستينيات، قيل لجميع هذه الدول، بما في ذلك من قبل الحكومة الأمريكية، إنه يجب عليها أن تصنع نفسها وأن تبني صناعتها الخاصة. وبالطبع، حاولت تلك الدول القيام بذلك، لكنها سرعان ما اكتشفت أن مجرد التصنيع لا يعني شيئًا إذا لم تكن لديها صناعاتها الخاصة لإنتاج السلع الرأسمالية. فإذا كانت بحاجة إلى استيراد جميع السلع الرأسمالية من الخارج ودفع تكاليف براءات الاختراع ورسوم الامتياز ورأس المال والعديد من الأمور الأخرى، فإنها ستجد نفسها في نهاية المطاف في علاقة تبعية.
وبسبب هذه العلاقة التبعية، يستمر تدفق الأموال إلى من يملكون رأس المال، وليس فقط إلى المالكين. فبالطبع، تستفيد المجموعات المهيمنة في مراكز النظام، في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، من هذه الدول غير المتطورة، لكن الأرباح تصل حتى إلى العمال هناك.
أحد الحجج التي طرحها العديد من هؤلاء المفكرين في أمريكا اللاتينية في ذلك الوقت هو أنه بسبب قوة النقابات العمالية في الشمال العالمي، فإنه في كل مرة تحدث فيها أزمة أو ركود اقتصادي، لا يتخلى العمال هناك عن مكتسباتهم، بل يتمسكون بها. ونتيجة لذلك، يعاني العمال في الجنوب العالمي، حيث تنخفض أجورهم ويتكبدون الخسائر.
ومن هذا المنطلق، رأى هؤلاء المفكرون أن حتى العمال في الشمال العالمي يشكلون جزءًا من طبقة ريعية من نوع ما. ومع ذلك، لم يكن هدفهم إثارة الخلاف بين الحركة العمالية في الشمال العالمي والعمال في الجنوب العالمي، بل كانت فكرتهم أن الريعية هي ديناميكية متجذرة بالفعل في النظام الرأسمالي العالمي.
من وجهة نظر ماركسية تقليدية أو كلاسيكية، لم يكن أنصار البُنيوية ونظرية التبعية في أمريكا اللاتينية يُعتبرون ماركسيين حقيقيين، لأنهم كانوا يتحدثون عن دول تستغل دولًا أخرى.
كانت هناك العديد من الحجج المعقدة، لكن في نهاية المطاف، قيل إن هذا ليس نهجًا ماركسيًا، إذا كنا نقصد بالماركسية نظرية تضع استغلال العمل في مركزها. فلا يمكن للمرء أن يبدأ بتحليل استغلال العمل ذاته ويصل مباشرةً إلى نظرية الاستغلال الدولي لدولة على أخرى، وهو بالضبط ما كانت تطرحه نظرية التبعية والبُنيوية.
إلى حد ما، يملك الماركسيون التقليديون بعض المبررات في القول بأن كل ما يقوله والرشتاين أو جوندر فرانك عن الماركسية لا يتماشى مع البنية النظرية الماركسية الصحيحة. لكن ما يفشلون في إدراكه هو أن هؤلاء المفكرين لم يكونوا يحاولون إعادة النظر في الماركسية بحد ذاتها، بل كانوا يسعون إلى التفكير في المسارات البديلة للتنمية في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي وآسيا وأفريقيا وغيرها.
وقد كانت الماركسية واحدة من الأدوات التي استخدموها في هذا التحليل، لكن الهدف لم يكن إنتاج التفسير الأكثر اكتمالًا لماهية الفكر الماركسي.
في المقابل، تميل الأوساط الماركسية الأرثوذكسية إلى فرض رقابة صارمة على مجالها الفكري، قائلةً بشكل أساسي: “لا، لا نريد ذلك في كتب التاريخ. لا تلوثوا أُطرنا التحليلية، لأنكم إن فعلتم، سنفقد رؤيتنا لما يجعل الرأسمالية تعمل. وإذا فقدنا هذه الرؤية، فلن نتمكن أبدًا من بناء الاشتراكية التي نطمح إليها، والتي ينبغي أن تمتلك ديناميكيات أفضل تُنتج الابتكار.”
دانيال دينفير: هذا يقودنا إلى النقاش حول كيفية عمل الرأسمالية اليوم، وتحديدًا إلى هذين الجدلين التاريخيين حول الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. الأول هو الجدل بين دووب وسويزي، الذي بدأ في الأربعينيات، والثاني هو الجدل الذي أثاره برينر في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات.
لقد كتبتَ أن كلا الجدلين كانا، جزئيًا، حول “مركزية التراكم البدائي في نشأة الرأسمالية، وكذلك في تطوراتها اللاحقة.”
أولًا، ما هو التراكم البدائي؟ وثانيًا، ما الذي كان على المحك في هذه النقاشات حول تحديد دوره في الرأسمالية، سواء من الناحية التاريخية أو من حيث استمراريته؟
إيفجيني موروزوف: مرة أخرى، هذا موضوع مثير للجدل بشدة بين الماركسيين والمفكرين القريبين من الماركسية أو المنتمين إلى “عائلة الماركسية“.
ويرجع جزء من هذا الجدل إلى التناقضات التي يمكن العثور عليها في نصوص ماركس نفسها حول ماهية التراكم البدائي وما هو الدور الذي لعبه.
هذا جدل لا يزال قائمًا حتى اليوم، حيث يتم تحليل نصوص ماركس بدقة شديدة، ويجري نقاش حول الهوامش والمصادر الثانوية. لا أرى نفسي باحثًا متخصصًا في الماركسية، بل دخلت في هذا الجدل فقط لأنني شعرت بالحاجة إلى وضع المناقشات الحالية في سياقها التاريخي.
فهمي لهذا الموضوع، بعد أن أمضيت بعض الوقت في هذا المجال كمجرد زائر وليس كمقيم دائم، هو أن الجدل يدور حول ما يلي: هناك من يقرأ ماركس على أنه يقول إن الرأسمالية، قبل أن تكتسب ديناميكيتها الابتكارية، حيث تُجبر المنافسة الرأسماليين على خفض التكاليف وابتكار أشياء جديدة. كان على الرأسماليين أن يمروا أولًا بعملية أولية من تراكم رأس المال، وهي عملية أكثر تعقيدًا وعنفًا.
وقد تطلب ذلك مجموعة مختلفة تمامًا من الأدوات والتقنيات والوسائل، إن صح التعبير. وكانت تلك العملية أشبه بالإقطاع. ولولا أنها أدّت في النهاية إلى هذه الديناميكية الأكثر انتظامًا وابتكارًا، والتي لم تعد بحاجة إلى العنف، لما كان بالإمكان تمييزها عن الإقطاع.
بالأساس، يحدث نوع من المعجزة. بالطبع، هناك طرق يمكن للماركسيين من خلالها شرح كيفية حدوث ذلك بالضبط، لكنها في جوهرها قصة عن معجزة، حيث تؤدي الديناميكيات الإقطاعية التقليدية، الدموية والعنيفة، في نهاية المطاف إلى نشوء عملية تراكم “سليمة“، غير بدائية، وأكثر تطورًا بكثير.
يمكنك التفكير في مسألة “تسييج” الأراضي والممتلكات، التي كانت في البداية عملية عنيفة للغاية، وأثارت استياء الكثير من الناس. لكن في النهاية، أصبح الجميع يتقبلونها. وبعد ذلك، تبدأ في بعض الحالات برؤية فاعلين في السوق يتداولون حقوق ملكية الأراضي ووسائل الإنتاج والأفكار، حيث يتحول كل شيء إلى سلعة من نوع ما. وكما نعلم، يتم تداول السلع في السوق، وكل ذلك يبدو منظمًا ونظيفًا للغاية.
لا بد من الإشارة إلى أن ماركس كتب عن هذه الأمور بالألمانية، وغالبًا ما كان يشير إلى مفاهيم مثل التراكم البدائي عند مناقشته لأعمال آخرين، بما في ذلك آدم سميث. وأحيانًا، ستجد أنه يرفق مصطلح “ما يسمى” عند الحديث عن التراكم البدائي، مما يثير جدلًا حول ما إذا كان ماركس قد أعطى هذا المفهوم فعلًا كل هذه الأهمية والأولوية منذ البداية.
لكن القراءة البديلة لمفهوم التراكم البدائي تفترض أن ماركس لم يكن يقصد تصويره كمرحلة تاريخية محددة، تنتهي بعدها الحاجة إلى العنف، ويبدأ النظام الرأسمالي في العمل بسلاسة وكفاءة تامة دون الحاجة إلى اللجوء إلى القوة. وبدلًا من ذلك، فإن هذه الديناميكية الثانوية التي تعتمد على القوة ونزع الملكية والاستحواذ بأشكاله المختلفة، لم تنتهِ قبل قرون، بل لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
ربما أصبحت أقل وضوحًا، وربما لم نعد نتعرف عليها باعتبارها جزءًا من “الرأسمالية السليمة“، لكنها لا تزال موجودة، وتشكل في الواقع النقيض الأساسي للديناميكية المعروفة على نطاق واسع، والتي يقوم فيها التراكم على الاستغلال.
دانيال دينفير: سأشير إلى اقتباسين لماركس، اللذين، رغم أنهما ليسا بالضرورة متناقضين، يشيران إلى اتجاهين تفسيريين مختلفين. فمن جهة، كتب:
“إن اكتشاف الذهب والفضة في أمريكا، واستئصال السكان الأصليين واستعبادهم ودفنهم في المناجم، وبداية غزو ونهب جزر الهند الشرقية، وتحويل إفريقيا إلى مرتع للصيد التجاري للبشرة السوداء، كل ذلك كان العلامات المميزة للفجر الوردي لعصر الإنتاج الرأسمالي. هذه الإجراءات المثالية هي القوى الدافعة الأساسية للتراكم البدائي.”
ولكن من جهة أخرى، كتب أيضًا:
“إن العبودية المقنَّعة لعمال الأجور في أوروبا كانت بحاجة، كأساس لها، إلى العبودية الصريحة في العالم الجديد.”
يشير هذا الاقتباس الأخير إلى علاقة أكثر ديمومة بين نزع الملكية في الأطراف والاستغلال في المركز. ويمكن توسيع هذا الطرح ليشمل ليس فقط العلاقة بين المركز والأطراف على المستوى العالمي، بل يمكن إسقاطه أيضًا على مستويات وأبعاد مختلفة من المركز والأطراف، سواء داخل الدولة نفسها أو حتى داخل المناطق الحضرية.
إيفجيني موروزوف: يقدم بعض المفكرين، مثل ديفيد هارفي، فاعلًا آخر في المشهد، إذا جاز التعبير. إذ يشيرون إلى النيوليبرالية، التي يعرّفونها على أنها ظاهرة تتسم بظهور ما يسمونه “التراكم عن طريق نزع الملكية.”
بالنسبة لهارفي، يعد هذا، إلى حد ما، طريقة أنيقة وراديكالية للقول إن التراكم البدائي لا يزال مستمرًا. لكنه، بفضل فهمه العميق لماركس، يدرك أن الديناميكية الأساسية للرأسمالية تكمن في الابتكار. وبصرف النظر عن تكلفته، فإن الابتكار حاضر، ومعظم الماركسيين يعترفون به على هذا النحو.
النيوليبرالية مفهوم غير محدد بدقة ولا نجده في كتابات ماركس. لكن المفهوم يؤدي وظيفة مثيرة للاهتمام، إذ يتيح للعديد من الأكاديميين وأتباع هارفي الإقرار بوجود ديناميكية إعادة توزيع داخل النظام الرأسمالي، تؤدي إلى توجيه أموال أو موارد أو دخول الفقراء نحو الأغنياء، ولكن ليس عبر الاستغلال المباشر. بل يحدث ذلك عبر وسائل أخرى، مثل الريع والتقشف وحقوق الملكية الفكرية. وإذا اطلعت على بعض كتب هارفي المبكرة، ستجد قوائم مطوّلة بكل أساليب كسب المال في العالم آنذاك، والتي لا تعتمد الكثير منها على الاستغلال التقليدي للعمل أو شروط العمل المأجور في المصانع.
أعتقد أن هذا الطرح يتيح للكثير من الأكاديميين تناول الرأسمالية وبعض ديناميكياتها المشوّهة التي يلاحظونها، وذلك غالبًا من منظور الشمال العالمي، لأن الجنوب العالمي لديه طرقه الخاصة في تفسير هذه الظواهر، مثل نظرية التبعية وأطر مماثلة.
لذلك، هناك تيارات معينة داخل الأكاديميا الماركسية والنيوماركسية في الشمال العالمي تحاول تفسير هذه الظواهر دون الحاجة إلى استخدام مصطلحات مثل “الإقطاعية الجديدة” أو “الإقطاعية التقنية“، لأن النيوليبرالية تؤدي هذا الدور. يمكنك، في الأساس، إلقاء اللوم على النيوليبرالية في كل ما يتعلق بانعدام الديناميكية والابتكار، وهي سمات من المفترض أن ترتبط بالنظام الرأسمالي.
قد يبدو هذا الطرح غريبًا، لكنه ليس كذلك تمامًا، لأنه في النهاية يقوم بما قام به ماركس في عمله: تقديم ثناء خفي للرأسمالية بوصفها نظامًا شديد الديناميكية يعمل على إحداث ثورات في العلاقات الاجتماعية ويولّد الابتكار، لكنه يعجز عن الارتقاء إلى المستوى التالي، وهو ما يتطلب نمط إنتاج مختلفًا، أي الاشتراكية.
عند إلقاء كل هذا اللوم على النيوليبرالية، فإن ذلك يخلق نوعًا من الوهم بأننا بمجرد الانتقال إلى حقبة ما بعد النيوليبرالية، قد نستعيد الرأسمالية، وربما ننطلق منها نحو الاشتراكية.
لا أعتقد أن كثيرين ممن يستخدمون مفهوم النيوليبرالية في سياق نزع الملكية يدركون بالضرورة هذه التداعيات. ولكن إذا أردنا التحلي بالتماسك النظري والمنطقي، أعتقد أنه لا بد من الاعتراف بأن هذا الطرح ينطوي، في جوهره، على رؤية متساهلة نسبيًا تجاه الرأسمالية، باعتبارها نظامًا اجتماعيًا تقدميًا ومبتكرًا، لكنه يصطدم بحدود معينة بسبب علاقات الطبقة.
دانيال دينفير: لقد طغى هذا التركيز على ما هو جديد في الرأسمالية على ما هو ثابت فيها. ولذلك، أصبحنا نسمع مصطلح “النيوليبرالية” أكثر بكثير من سماعنا لمصطلح “الرأسمالية” في صورته التقليدية.
إيفجيني موروزوف: أعتقد أنه من المفيد جدًا التفكير في هذه المسألة مع الإبقاء على الجنوب العالمي وسجل نظرية التبعية والبنيوية في الاعتبار. لأنه إذا وضعنا هذه العوامل في خريطتنا الفكرية، فسنجد أن الرواية التي يقدمها هارفي عن النيوليبرالية –التي تبدأ في نيويورك في السبعينيات مع الأزمة المالية، ثم تمتد إلى تشيلي وما بعدها– تصبح من الصعب التوفيق بينها وبين حقيقة أن الاقتصاديين في أمريكا اللاتينية كانوا قد أشاروا بالفعل، في الخمسينيات والستينيات، إلى أن النظام الرأسمالي العالمي ينطوي على ديناميكيات نزع ملكية ذات طابع ريعي وإعادة توزيع، وذلك قبل وقت طويل من وصول “أولاد شيكاغو” إلى تشيلي وبداية النيوليبرالية.
السبب في وصولهم إلى تشيلي أصلًا هو أن سلفادور أليندي كان يسعى إلى إخراج تشيلي من المسار الذي كانت عليه. ولكن هذا المسار لم يكن نيوليبراليًا، بل كان رأسماليًا. ومن منظور الجنوب العالمي، نجد أن هناك ديناميكيات شديدة الغرابة داخل الرأسمالية نفسها، لا يمكن وصفها بمجرد الاعتماد على الفلسفة الماركسية للتاريخ أو أنماط الإنتاج دون النظر إلى عوامل أخرى.
دانيال دينفير: تجادل بأن تجاهل الباحثين لرؤى منظّري النظام العالمي، وعدم تركهم مساحة كافية لمفاهيم التراكم البدائي أو نزع الملكية عند تعريفهم للرأسمالية، يجعلهم عرضة لتصورات خاطئة، خصوصًا عند مواجهة الاستخدام الفجّ لقوة الدولة بعد الأزمة المالية لعام 2008 أو أثناء الجائحة لإعادة توزيع الثروة لصالح الطبقة الرأسمالية واستقرار النظام، مما قد يدفعهم إلى الاعتقاد بأننا لم نعد نعيش في ظل الرأسمالية على الإطلاق.
وتشير إلى أن برينر، من خلال هذا النهج، انتهى بشكل مفارِق إلى التقاء تحليله مع تحليل هارفي القائل بأن “التراكم عن طريق نزع الملكية” أصبح الشكل المهيمن للتراكم الرأسمالي.
وهذه مفارقة، كما كتبتَ، لأن برينر كان في البداية من أشد منتقدي هارفي، تحديدًا بسبب اعتقاده بأن هارفي بالغ في التركيز على نزع الملكية على حساب الاستغلال كوسيلة لضمان الفائض في ظل الرأسمالية.
إيفجيني موروزوف: كتب برينر مراجعة نقدية للغاية لأحد كتب هارفي عن الإمبريالية، حيث أشار إلى أن مفهومًا مثل “التراكم عن طريق نزع الملكية” لا يحمل الكثير من المعنى.
ولكن بالنظر إلى الأدلة التي درسها برينر نفسه حول الاقتصاد الأمريكي، يجد صعوبة في الوصول إلى استنتاج غير أن هذه الديناميكية الابتكارية لم تعد واضحة بالدرجة نفسها التي كانت عليها، مثلًا، في إنجلترا خلال القرن السابع عشر.
ولكن مرة أخرى، يعود ذلك في جزء كبير منه إلى امتلاكه رؤية جزئية جدًا للسوق، وإلى فهم محدود لماهية الابتكار والدور الذي تلعبه شركات التكنولوجيا الكبرى والمنصات الرقمية في هذا السياق.
يمكن النظر إلى الأرقام المطلقة للاستثمار. هناك طرق لقياس حجم رأس المال المستثمر في السلع الرأسمالية، مقابل ما يتم استهلاكه في السلع الفاخرة. وهناك أيضًا وسائل لتقدير ما يفكر فيه الرأسماليون بشأن المستقبل، ومدى احتمالية استمرارهم في تبني النهج الرأسمالي. ومن خلال ذلك، يمكن إجراء بعض التنبؤات والاستنتاجات.
ولكنني أرى أن هذا النقاش، كما جرى في الشمال العالمي، فقد التركيز على التكنولوجيا، وهو ما لم يكن الحال نفسه مع نظرية التبعية أو البنيوية.
بسبب الاحتياجات الصناعية الفريدة للجنوب العالمي، كان هناك إدراك واضح لأن استيراد تقنيات متقدمة – مثل الجرارات الحديثة أو معدات التعدين المتطورة من الولايات المتحدة – يستلزم دفع رسوم لاستخدامها، ولا يمكن ببساطة تصنيعها محليًا دون تكبد تكاليف حقوق الملكية الفكرية ورسوم العلامات التجارية.
وبالتالي، كانت التكنولوجيا دائمًا حاضرة في أذهان المنظّرين في الجنوب العالمي عند تحليل هذه القضايا. لكن في الشمال العالمي، لم تكن هذه المسألة حاضرة بنفس الدرجة، مما يجعل من الصعب فهم طبيعة عمل شركات مثل جوجل وفيسبوك وأمازون.
التكنولوجيا والرأسمالية والمستقبل البديل
دانيال دينفير: يركز جزء كبير من الأدبيات في النقاش الدائر حول الرأسمالية اليوم ودور التكنولوجيا على الريوع التي تستخرجها التكتلات التكنولوجية الجديدة. ولكن شركات التكنولوجيا تستثمر أيضًا مبالغ ضخمة في البحث والتطوير، وهي أشكال تقليدية من الاستثمار تشير إلى أنها تتصرف مثل الشركات الرأسمالية النموذجية. وقد كتبتَ:
“إذا كانت هذه الشركات التقنية بالفعل مجرد ريعيين كسالى ينهبون الجميع عبر استغلال حقوق الملكية الفكرية وتأثيرات الشبكة، فلماذا إذًا تستثمر كل هذا المال في ما لا يمكن وصفه إلا بأنه شكل من أشكال الإنتاج؟ أي نوع من الريعيين يفعل ذلك؟ لقد بلغت نفقات البحث والتطوير لشركة ألفابت في الأعوام 2017 و2018 و2019 و2020 على التوالي 16.6 مليار دولار، 21.4 مليار دولار، 26 مليار دولار، و27.5 مليار دولار. ألا يُحسب ذلك على أنه ‘بذل مجهود’؟“
ثم تشير أيضًا إلى أن أمازون وحدها توظف عددًا من العمال يفوق إجمالي العاملين في قطاع البناء السكني في الولايات المتحدة. كما تلاحظ أن شركات مثل جوجل وأمازون وفيسبوك تعتمد على بنية تحتية مادية هائلة.
كيف يمكن لكل هذه المادية التقليدية أن تُطمس أو تُشوّه؟ ولماذا من المهم أن نفهم جوجل ليس فقط، أو حتى في المقام الأول، كشركة ريعية تملك الأصول، بل كشركة رأسمالية تقليدية؟
ولماذا، عندما ينظر منظّرو الإقطاعية الجديدة إلى بعض هذه الميزانيات الضخمة للبحث والتطوير أو البنية التحتية المادية الواسعة، لا يبدو أنهم يتأثرون بها على الإطلاق؟
إيفجيني موروزوف: لا أعتقد أن هناك طرحًا قويًا لمفهوم “الشركة” أو “المؤسسة” في النظرية الماركسية التقليدية. فالماركسية، في جوهرها، ليست نظرية عن الشركات، ولا تقدم مجموعة من المعايير التي تتيح التمييز بين الشركات الرأسمالية وغيرها من الفاعلين الذين قد يُوصفون بالإقطاعيين.
بالنسبة لماركس وللماركسية، وحدة التحليل الأساسية هي رأس المال، باعتباره علاقة اجتماعية، وليس بالضرورة هذه الشركة أو تلك. لذلك، حتى الحديث عن الشركات بوصفها “إقطاعية” أو “رأسمالية” ضمن التقليد الأرثوذكسي يبدو أمرًا غريبًا بعض الشيء.
غالبًا ما يتم التصنيف في النقاشات الحالية من خلال تحديد نمط الإنتاج السائد أولًا –سواء كان رأسماليًا أو إقطاعيًا– ثم يتم بناءً على ذلك تصنيف الفاعلين الأساسيين داخل هذا النمط.
فإذا كنا نتحدث عن الإقطاعية، فلا خيار أمام الفاعلين الأساسيين سوى أن يكونوا إقطاعيين، وإذا كنا في إطار الرأسمالية، فلا بد أن يكونوا رأسماليين.
ولكن إذا بدأنا من افتراض مبسط وسطحي يعتبر العصر الحالي “إقطاعيًا تقنيًا“، فمن الطبيعي حينها أن نفترض أن الأصوات الأساسية أو الفاعلين الرئيسيين أو الممكِّنين لهذا العصر يجب أن يكونوا بطريقة ما إقطاعيين.
وما هي الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من ذلك؟ أن بعض الأفراد والشركات نجحوا في الاستحواذ على جزء مهم من “العقل العام” لمصلحتهم الخاصة. لقد تمكنوا من فرض نوع من “التسييج المعلوماتي” حوله، بطريقة تشبه سلوك الاحتكار. وهم ببساطة يكتفون بالاعتماد على ذلك دون القيام بأي استثمارات حقيقية، بل يعتمدون فقط على استخراج الريع.
إحدى النقاط التي أحاول إبرازها في مقالي هي عرض الأرقام وسلوك الشركات باعتبارها شركات. فعند النظر إلى قطاع التكنولوجيا، لا يتوافق هذا القطاع مع الصورة النمطية التي يتوقعها البعض من الممثلين الأساسيين لما يسمى بالاقتصاد الإقطاعي الجديد. بل تبدو هذه الشركات أقرب بكثير إلى كونها ممثلين للرأسمالية.
بالطبع، هناك نسخة أقل سطحية من طرح “الإقطاعية التقنية“، مثل النسخة التي يقدّمها سيدريك دوران، الاقتصادي والمفكر الماركسي الفرنسي، والتي تتبنى مقاربة أكثر دقة. فهو لا يتبنى هذا التبسيط المفرط الذي يربط بشكل مباشر بين نمط الإنتاج وطبيعة الشركات. بل يصل تقريبًا إلى أرضية وسطى، حيث يمكن أن تكون الشركات رأسمالية بالفعل –تستثمر وتتوسع وتمارس جميع السلوكيات التي نتوقعها من الشركات الرأسمالية التقليدية– ولكن في الوقت نفسه، فإن المحصلة النهائية لأنشطتها على الاقتصاد تبدو، إلى حد ما، مماثلة لما يمكن أن نتوقعه من فاعلين إقطاعيين أو من اقتصاد إقطاعي.
بمعنى آخر، النتيجة العامة هي فرض “ضريبة ضخمة” على الابتكار، بحيث تصبح الديناميكية العامة غير مواتية لنوع التراكم والابتكار الذي ربطه منظّرون مثل برينر بالرأسمالية.
دانيال دينفير: لماذا يرى البعض الريعية في كل مكان ثم يزعمون أن هذا يمثل نهاية الرأسمالية؟ ولماذا يُنظر إلى الاحتكار، الذي يؤدي إلى تراجع المنافسة أو حتى إلغائها في بعض الحالات، على أنه تطور جديد في الرأسمالية؟ فالاحتكار، بطبيعة الحال، له تاريخ طويل داخل الرأسمالية. ولينين وغيره أشاروا منذ زمن إلى أن “رأس المال الاحتكاري” كان أحد العوامل التي قادت إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
إيفجيني موروزوف: لا أعتقد بالضرورة أن حجتهم تقوم على أن هذه الظاهرة جديدة تمامًا. لكن السبب وراء انتشار هذا الطرح يكمن، في النهاية، في كونه نقدًا أخلاقيًا. والمثير للاهتمام أن هذا النوع من النقد هو ما نتوقع سماعه عادةً من اليمين أكثر من اليسار، لأنه يخاطب الرأسماليين السابقين ويطالبهم ببذل جهد أكبر، والتوقف عن الاتكال على مكتسباتهم السابقة، والعودة ليكونوا “الرأسماليين الجيدين” الذين كانوا عليهم في الماضي.
أتفهم هذا النقد عندما يأتي من اليمين النيوليبرالي ومن أولئك الذين يحبون الرأسمالية، لكنه يبدو موقفًا غريبًا جدًا عندما يصدر عن اليسار. وأعتقد أن هذا يعود، في جزء كبير منه، إلى عدم قدرة اليسار على فهم الرأسمالية المعاصرة أو تقديم أي مقترحات واضحة بشأن ما ينبغي أن يكون عليه جدول أعماله لنظام مختلف، لنمط إنتاج جديد، أو لمجتمعات بديلة.
وهكذا، نجد أنفسنا في نهاية المطاف نردد أنه ربما يمكننا إعادة بناء شكل من أشكال “رأسمالية الرفاه” التي كانت موجودة في الماضي، وأن كل ما علينا فعله هو التأكد من أن الرأسماليين يعودون إلى لعب دورهم “المسؤول” كما كانوا في السابق. وربما، بمجرد أن يتحقق ذلك، سنعود إلى “الأيام الخوالي“.
دانيال دينفير: الحجة اليسارية حول “الإقطاعية الجديدة” التي تأخذها على محمل الجد أكثر من غيرها، كما ذكرت سابقًا، هي تلك التي يطرحها دوران.
فهل تختلف مع دوران في أن الرأسمالية قد تغيّرت بشكل جوهري خلال نصف القرن الماضي بفعل النيوليبرالية والتمويل المالي؟ أم أنك ببساطة لا تتفق مع استنتاجه القائل بأن هذه التغيرات تعني أننا لم نعد نعيش في ظل الرأسمالية؟
إيفجيني موروزوف: قبل أن أجيب، دعني أوضح نقدي لهذا الهوس الماركسي الأرثوذكسي بالإنتاج، ولإصراره على ضمان استمرار الإنتاج بأي ثمن، عبر توجيه التمويل والتكنولوجيا وكل شيء آخر نحوه. أعتقد أن الماركسية، كمنظومة فكرية، لديها انحياز واضح نحو “المصنع“، وهذا مرتبط بالظروف التي نشأت فيها الماركسية.
لقد نشأت الماركسية في سياق معين في إنجلترا، وفي ظل ظروف محددة. وعندما يتم التفكير في الرأسمالية على أنها تراكم عبر الابتكار، كما يسميها برينر، هناك افتراض بأن المكان الوحيد الذي يمكن أن يحدث فيه الابتكار على نطاق واسع هو داخل عملية الإنتاج التقليدية في المصانع. هذا هو الافتراض الأساسي الذي يتبناه الماركسيون. ومن هنا يصبح السؤال كله يدور حول ما إذا كانت مصانعنا ومؤسساتنا الرأسمالية لا تزال تُنتج وتبتكر، وما إذا كان نظامنا التكنولوجي يدعمها من خلال تسهيل الاستثمار في السلع الرأسمالية أو إنتاجها، وما إذا كان نظامنا المالي يعمل لخدمة احتياجات توسيع الإنتاج وشراء السلع الرأسمالية الجديدة.
هذا الطرح متماسك، ولكنه كذلك فقط إذا افترضنا أنه لا يوجد أي طريق آخر لتحقيق الابتكار التحويلي واسع النطاق في المجتمع. كان هذا الافتراض صحيحًا بالفعل في بريطانيا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولكن هل لا يزال صحيحًا في القرن الحادي والعشرين؟ لست متأكدًا تمامًا.
وهنا، أعتقد أن المفكرين الإيطاليين “الأوتونوميين” سبقوا معظم الماركسيين الأرثوذكسيين عندما أشاروا إلى أن العديد من عمليات التعلم والابتكار والاكتشاف التحويلية الحقيقية في المجتمع نشأت من الأسفل إلى الأعلى، ومن خلال التعاون. فالحياة ليست مجرد إنتاج سلع داخل مصنع.
إذا أردنا بناء نظرية حول كيفية تصنيع الطائرات أو إيجاد علاج لكوفيد-19، فمن الواضح أننا لن نقول: “بالتحدث مع أصدقائي في الحي، سأخترع لقاحًا لكوفيد.”
ماركس كان محقًا فيما يتعلق بأنواع معينة من الاختراعات والابتكارات، لكن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نتجاهل حقيقة وجود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والحوسبة الكمّية.
كيف سيبدو مسارنا في الإبداع والابتكار والاكتشاف إذا انطلقنا من فرضية أن إنتاج المعرفة الجديدة لا يقتصر فقط على عمليات الاختراع التي تحدث داخل المصانع، سواء كانت هذه المصانع شيوعية أو اشتراكية أو رأسمالية؟
مع بعض الاستثناءات البارزة، نادرًا ما فكّر المنظّرون الماركسيون بشكل مستمر في هذه المشكلة. لقد تجاهلوها، لأنها لا تتعلق بالإنتاج. لا تتعلق بخطوط التجميع أو صناعة السيارات.
عندما تقرأ برينر، تجد أن هذا هو محور تحليله بالكامل،السيارات ثم السيارات، لأنها تاريخيًا كانت تدور حول السيارات. هذه هي القصة في اليابان، وهذه هي القصة في ألمانيا، وهذه هي القصة في كوريا الجنوبية.
وفي النهاية، نجد أنفسنا نحاول بناء “اشتراكية القرن الحادي والعشرين” بينما لا نزال نفكر بعقلية صناعة السيارات في الخمسينيات. أرى في ذلك طرحًا رجعيًا، إن لم يكن رجعيًا تمامًا، فهو على الأقل فرصة ضائعة. الموارد موجودة بالفعل، لكن لا يوجد ماركسيون يفكرون في كيفية استخدامها في شيء آخر غير صناعة السيارات في مصنع من خمسينيات القرن الماضي.
عندما أنتقد شخصًا مثل دوران، فإنني أتناول المسألة من هذا المنظور، رغم أنني لم أوضحه بشكل صريح في المقال. جزئيًا، أرى أن نظريتنا حول الاشتراكية، باعتبارها جهدًا مستدامًا لإنتاج الابتكار بطريقة مختلفة، قد تكون منحازة بشكل كبير إلى الديناميكيات الرأسمالية، بحيث إننا نبحث في الأماكن الخاطئة أساسًا.
لكن إذا وضعنا هذا جانبًا، فأنا أتفق مع دوران، إلى حد كبير، في أن هناك تحولات جوهرية حدثت في الاقتصاد العالمي خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، ربما أدت إلى اتجاهات نحو الركود، جزئيًا بسبب تحول القوة نحو القطاع المالي، وأيضًا لأن هذا القطاع لا يمتلك نفس الحوافز للانخراط في تراكم رأسمالي محفّز للابتكار كما تفترض نظريات الرأسمالية الصناعية. في هذا الجانب، أنا متفق تمامًا مع هذا الطرح.
السبب الذي دفعني إلى تضمين تحليل دوران للصناعة المالية العالمية والنظام الاقتصادي العالمي من منظور مالي، هو أن رؤيته لصناعة التكنولوجيا ووادي السيليكون تبدو، في جوهرها، امتدادًا وإعادة إنتاج لحجة “الإقطاعية الجديدة“، ولكنه يطبّقها هذه المرة على المنصات الرقمية بدلًا من القطاع المالي.
لا يرى دوران سوى القليل جدًا من الديناميكيات الابتكارية القادرة على إحداث تحوّل إيجابي داخل هذا المجال. لكنه، في المقابل، أقرّ، ولو بشكل ضمني، بأن هناك إمكانيات معينة في المجال المالي، حين ننقل التحليل إلى التكنولوجيا. ومع ذلك، تظل الصورة العامة قاتمة؛ إذ يرى أن الوضع يمثل إقطاعية رقمية مكتملة الأركان، بشكل أو بآخر.
دانيال دينفير: أين يتناسب رأي برينر هنا، وهو القائل بأن “الركود طويل الأمد في الاقتصاد الأمريكي في ظل فائض القدرة التصنيعية على المستوى العالمي قد دفع عناصر قوية في الطبقة الحاكمة الأمريكية إلى التخلي عن اهتمامها بالاستثمار المنتج والاتجاه بدلاً من ذلك نحو إعادة توزيع الثروة تصاعديًا بوسائل سياسية“؟
لقد ذكرت أنك متعاطف مع طرح دوران حول الركود. هل توافق على أن جذور هذا الركود تكمن جزئيًا في نوع من فائض القدرة التصنيعية العالمي؟
إيفجيني موروزوف: أعتقد أن هذه الطروحات ليست متناقضة. فهناك الطرح البرينري الذي يركز على فائض القدرة التصنيعية وما ينتج عنه من أزمات بسبب الديناميكيات البنيوية المضمنة في الاقتصاد العالمي. هناك دائمًا منافس جديد يدخل السوق، مما يجعل استثماراتك في القدرة الإنتاجية غير مجدية لأنه يستطيع الإنتاج بتكلفة أقل. بالنسبة لبرينر، هذه سمة داخلية في الاقتصاد الرأسمالي.
يمكن التوفيق بين هذا الطرح وبين رؤية أكثر تاريخية للسنوات الثلاثين أو الأربعين أو الخمسين الأخيرة، حيث يمكن القول إنه سمة تاريخية للنظام الرأسمالي. مفكرون مثل جوانا ريجير يجادلون تحديدًا بهذا الطرح، معتبرين أننا نتحرك في دورات طويلة، وأن الأمر يستغرق ثلاثمائة عام حتى تستقر مرحلة التمويل المالي. وهذا أمر حتمي، تمامًا كما هو حتمي أن تصبح قدرتك على تصنيع السيارات متقادمة بمجرد أن يتمكن جارك من تطويرها بتكنولوجيا أفضل وأرخص.
لذا، يمكن التوفيق بين الطرحين. وفي دفاعٍ عن برينر ومن يتبعون نهجه، يمكننا أن نرى أنه يحاول في نهاية المطاف تفسير “قوانين الحركة“، كما يسميها، للنظام الرأسمالي. وهذا الطرح صحيح إلى حد ما. هناك من يجادل بأنه لا يأخذ في الحسبان بما يكفي دور العمال، والطريقة التي يتحدون بها هذه الديناميكيات وينتقلون عبر الحدود للإنتاج بتكلفة أقل وبشكل أسرع وأكثر كفاءة. لكن هذه ليست المشكلة التي أحددها في طرحي.
مشكلتي مع هذا الطرح هي أنه يمكنك أن تكون محللًا بارعًا لكل هذه القرارات المتعلقة بإعادة تخصيص رأس المال عبر الحدود، سعياً وراء فرص استثمارية أكثر كفاءة وربحية، ومع ذلك، لن يمنحك ذلك أي تصور واضح عما ينبغي أن يكون عليه نظام آخر أو نمط إنتاج مختلف، بخلاف مجرد القول: حسنًا، سنُدير الآن صناعتنا العالمية للسيارات في ظل الاشتراكية بطريقة أكثر كفاءة وعقلانية. لأن هذا بالضبط ما يريده الكثير من الاشتراكيين والماركسيين؛ أن تُدار الأمور بطريقة أقل اضطرابًا، وأن يتم تقليل هذا الاضطراب من خلال التخطيط لنشر الموارد بشكل عقلاني.
لستُ أقول إن هذا هو كل ما يترتب على برينر. لكن باعتباره أفقًا، يبدو لي محدودًا للغاية، وربما ليس حتى ما ينبغي أن نتمسك به. إنه تحليل ممتاز للظرف المعاصر، ولا أنكر ذلك على الإطلاق. لكنه ببساطة يفتقر إلى عنصر الإلهام، ويفتقر إليه تحديدًا لأنه لا يمنح لتكنولوجيا المعلومات دورًا أكبر سوى كونها مجرد أداة داعمة لصناعة السيارات أو السيارات الطائرة أو أي ابتكار جديد سيظهر لاحقًا.
طالما أنك لا تستطيع تخيّل طريقة لاستنباط الإبداع والابتكار والاكتشاف من صميم الحياة اليومية، وليس فقط من العمل في المصنع، فأعتقد أنك لا تمارس الماركسية والاشتراكية بالشكل الصحيح. أعلم أن الكثير من الماركسيين سيعارضونني في ذلك، وسيقولون إن هذا مجرد تفكير طوباوي لا طائل منه. لكن، للأسف، لا أزال غير مقتنع تمامًا بأن ضمان أن يكون إنتاجنا الاشتراكي للسيارات أكثر كفاءة من الإنتاج في ظل الرأسمالية هو بالضرورة استخدام جيد لمواردنا المعرفية والسياسية.
دانيال دينفير: تكتب أنه يجب علينا أخيرًا أن نحسم الجدل حول برينر، وأن القيام بذلك يتطلب منا التنظير للرأسمالية بحيث لا تُعتبر أشكال الإقصاء والاستيلاء والإيجار مجرد ظواهر استثنائية داخل الرأسمالية، بل جوهرية في عملها التاريخي الفعلي.
تشير إلى أن فريزر قدّمت واحدة من أفضل الحلول المطروحة، كما تذكر أن جيسون مور، وهو تلميذ لكل من والرشتاين وأريجي،
“ربما صاغ الإجماع الجديد عندما كتب أن ‘الرأسمالية تزدهر عندما تتمكن جزر الإنتاج السلعي والتبادل من الاستيلاء على محيطات من الطبيعة الرخيصة المحتملة، وهي تقع خارج دائرة رأس المال ولكنها ضرورية لعمله.’ وهذا ينطبق، بالطبع، ليس فقط على الطبيعة الرخيصة –فهناك العديد من الأنشطة والعمليات الأخرى التي يمكن الاستيلاء عليها– لذا فإن هذه ‘المحيطات’ أوسع مما يقترحه مور.”
لماذا يُعَدّ تحليل العلاقة بين الرأسمالية والطبيعة، على وجه الخصوص، أداة قوية لفهم النظام ككل، ولتحديد ما يمكن فعله حياله؟
إيفجيني موروزوف: هنا تكمن المعركة الحقيقية حول تعريف الرأسمالية: إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا التعريف واسعًا، تاريخيًا، وشاملًا؟
وكأثر جانبي لهذا الطرح، علينا أيضًا أن نطرح أسئلة مثل: لماذا نقوم بهذا التمرين أصلًا؟ هل لأننا نتوقع ظهور تغيير أو تدخل ملموس ومحدد؟ ربما تكوينات جديدة للفاعلين الاجتماعيين؟ ربما تفسيرات جديدة للابتكار؟ أم أننا نسعى إلى ذلك لكي نتمكن من استخدام القوى والنظريات القديمة بفعالية أكبر، ولكن ضد أهداف جديدة؟
أعتقد أن هذا توتر غير محسوم داخل الماركسية، أو اليسار بشكل عام. في نهاية المطاف، وبالنظر إلى النضالات التي تخوضها الحركات الاجتماعية المختلفة وحقيقة الكارثة المناخية، أصبحنا نولي اهتمامًا أكبر للأصوات الفكرية القادمة من الجنوب العالمي. بدأنا ندرك أن مشكلاتهم قد تحتاج إلى أطر تحليلية تتجاوز الأطر الماركسية التقليدية، لا من أجل التخلي عنها، بل ربما لمزجها مع مقاربات أخرى.
أعتقد أن تراكم كل هذه العوامل جعل من الصعب جدًا الدفاع عن الموقف البرينري الأرثوذكسي. ذلك لأنه، في جوهره، يمنعك من السعي إلى بناء التحالفات الضرورية، ومن فهم ما يحدث في أجزاء من العالم لم تكن تفكر سابقًا في دمجها ضمن نضالاتك.
إنه يمنعك من القيام بذلك، كما يمنعك من تقديم مطالبات جديدة بشأن الظلم الاجتماعي والإقصاء.
بل إنه يحول دون امتلاك سرد تاريخي دقيق لكيفية تطور الرأسمالية بطرق مختلفة في أجزاء مختلفة من العالم، وكيف أن تلك الاختلافات واستغلالها شكّل في الواقع النظام العالمي الحالي.
ومن دون هذه الرؤية الأكثر ثراءً للنظام العالمي وللاقتصاد العالمي، كيف يمكننا إجراء تقييم دقيق للطابع التقدمي أو الرجعي لرواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا؟ هل هم طلائع التقدم أم طلائع الرجعية؟ من هم هؤلاء الأشخاص؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة ضمن السياق الوطني فحسب، بل نحتاج إلى السياق التاريخي الدولي لفهمها. كما نحتاج إلى إدراك كل التشابكات مع القطاع الرقمي والطاقة والمواد الخام والموارد الغذائية وغيرها من أشكال الاستخراجية.
وهنا، أعتقد أنه من الواضح أننا لن نحسم الجدل حول برينر بطريقة توفر لنا إطارًا نظريًا نظيفًا وفعالًا تحليليًا كما هو الحال في طرح برينر نفسه. من الواضح أن والرشتاين وآخرين لم يكونوا يسعون إلى ذلك، ولهذا السبب عرّفوا نظامهم بأنه “الرأسمالية التاريخية“، بغض النظر عمّا إذا كانت الاعتراضات البرينرية التقليدية على هذا الطرح لا تزال قائمة. فقط للتذكير، برينر، في مناظراته مع والرشتاين في السبعينيات، اتهمه بالانخراط في “تحريفات نيو–سميثية“.
في نهاية المطاف، هل ينبغي أن يكون الأمر مهمًا بالنسبة للأشخاص الذين يهتمون بتحرر الجنوب العالمي، وبالحركات الاجتماعية الساعية إلى عكس مسار الاستخراجية، سواء كنا نعتمد على أطر تمنحنا فهمًا دقيقًا لما يحدث، أم نبقى متمسكين بنقاء إطار لا يفعل ذلك؟ لست مقتنعًا بأن الفوز بالمناظرات النظرية من خلال التمسك بالنقاء الأيديولوجي له أهمية تُذكر.
حقيقة أننا نستمر في فرض حدود صارمة لما يُعتبر يساريًا، ناهيك عن ما يُعتبر ماركسيًا، أجدها غير مجدية إلى حد ما. من الناحية الطبيعية والمنطقية، يبدو لي أنه ينبغي أن ندع “ألف زهرة تتفتح“. السؤال هو: هل يجب أن نستخلص نظرية واحدة من كل هذا؟ لا أريد أن أبدو متشائمًا للغاية، لكنني لست متأكدًا من أن نظرية جديدة واحدة ستكون قادرة على حل مشكلاتنا.