حِراك سبتمبر.. أدوات جديدة لقمع الإنترنت

نٌشر هذا المقال أولا على موقع (مدى) بتاريخ 1 أكتوبر 2019 | للإطلاع على المقال على موقع (مدى) | للإطلاع على المقال من أرشيف الإنترنت

كتب: حسن الأزهري و محمد الطاهر

لم يُخفِ النظام المصري عدائه تجاه الإنترنت وما أتت به من أدوات وُظّفت في إحداث تغييرات اجتماعية وسياسية واسعة في المجتمع المصري، بل كان هذا العداء مُعلن عنه في مناسبات عديدة تحت توصيفات مختلفة مثل «حروب الجيل الرابع» و«قنوات دعم الإرهاب» و«مصنع الشائعات». دأبت السلطة على إشاعة المخاوف حول تأثير استخدام منصات التواصل الاجتماعي، في حين أنها تستخدمها لنشر بياناتها وكأحد الأدوات الترويجية والدعائية للنظام السياسي وإنجازاته.

دائمًا ما يعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي عداءه للإنترنت بعد توليه مقاليد الحكم، بوصفه رئيسًا للسلطة التنفيذية أو من خلال الهيمنة الكاملة على السلطة التشريعية والقضائية. دأب النظام على إغلاق مساحات التواصل بين الأفراد أو غلق ما تبقى من قنوات يمكن من خلالها تداول المعلومات، بعد أن أممت السلطة وسيطرت على ملكية الصحف والقنوات الفضائية الخاصة.

وفي ذات السياق، ارتكزت جهود السلطات المصرية على فرض حصار على مستخدمي الإنترنت باستغلال الأدوات التشريعية لتقنين مُمارسة الرقابة والمراقبة على وسائل الاتصالات من خلال تفعيل النصوص التشريعية القائمة مُتمثلة في قوانين الاتصالات والعقوبات واستحداث نصوص أخرى مثل قوانين مكافحة الإرهاب وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.

لكن ومع استمرار نشر مقاطع فيديوهات المقاول محمد علي، ورد السيسي على ما جاء بها، تصاعدت وتيرة متابعة وتداول تلك الفيديوهات إلى أن وصلت لدعوات التظاهر ضد النظام، والاستجابة النسبية والمفاجئة يوم الجمعة 20 سبتمبر، وتكرار الدعوة للنزول يوم الجمعة 27 سبتمبر.

خلال هذه الفترة، حاول النظام استخدام الأدوات القانونية وغير القانونية كافة في سبيل إحباط أي حراك، ومحاولات حجب وإبطاء الوصول إلى بعض مواقع الويب والتطبيقات، خاصة لمستخدمي اﻹنترنت المحمول أو محاولات خنق الوصول لبعض التطبيقات ليواجه المُستخدمين صعوبة في تداول الصور والفيديوهات. وازدادت المخاوف حول نية النظام لممارسة حجب كامل لمواقع التواصل الاجتماعي أو حتى قطع الاتصالات في أسوأ الظروف، كما حدث في سابقة قطع الاتصالات في 2011. اعتاد النظام استخدام بعض هذه اﻷدوات خلال اﻷعوام الماضية، لكن عددًا آخر منها كان جديدًا.

قصة قديمة

أحد أهم اﻷدوات التي لجأت إليها الحكومة تمثلت في سلطة حجب المواقع. لم يذكر قانون الاتصالات المصري الحجب صراحة، لكنه منح بعض الجهات المصرية سلطات غير مُحددة، نص عليها باب الأمن القومي والتعبئة العامة في القانون، وهي نفس النصوص التي اعتمد عليها النظام المصري في قطع الاتصالات أثناء ثورة 25 يناير 2011.

قانون الاتصالات هو المنظم لقطاع الاتصالات ودور الأجهزة الحكومية وتشكيلها واختصاصها وحدود سلطتها، وقد أعطى القانون في هذا الباب صلاحيات واسعة لخمس جهات هي: القوات المسلحة ورئاسة الجمهورية ووزارة الداخلية وهيئة الأمن القومي وهيئة الرقابة الإدارية. وأعطى القانون لهذه الجهات صلاحية أن تُخضع لإدارتها جميع خدمات وشبكات اتصالات أي مشغل أو مقدم خدمة وأن تستدعي العاملين لديه القائمين على تشغيل وصيانة تلك الخدمات والشبكات، وذلك في حالة حدوث كارثة طبيعية أو بيئية أو في الحالات التي تعلن فيها التعبئة العامة وأي حالات أخرى تتعلق بالأمن القومي. كما يُلزم القانون كل مشغل أو مقدم خدمة أن يوفر على نفقته داخل شبكة الاتصالات المرخص له بها جميع الإمكانيات الفنية من معدات ونظم وبرامج واتصالات داخل شبكة الاتصالات والتي تتيح للقوات المسلحة وأجهزة الأمن القومي ممارسة اختصاصها في حدود القانون. ولم يُوضح النص ما هي طبيعة تلك الإمكانيات الفنية وما هي ضوابط استخدامها.

ذُكر الحجب صراحة لأول مرة في التشريعات المصرية مع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والذي أعطى سلطة الحجب كإجراء أولي للنيابة العامة أو جهة التحقيق بصفة عامة وبشكل استثنائي للجهات الشرطية. بعدها جاء قانون تنظيم الإعلام والصحافة، والذي تعامل مع الحجب كعقوبة يتم توقيعها من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في حالة مخالفة بعض الضوابط الإعلامية التي ذكرها القانون وفصّلتها مجموعة اللوائح التي صدرت من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

ورغم هذا، لم يتضح اﻷساس القانوني لحجب موقعي «بي بي سي» وقناة الحرة (كما لم يتضح اﻷساس القانوني لحجب مئات المواقع اﻷخرى خلال العامين اﻷخيرين، من بينها موقع «مدى مصر»). يوم الجمعة 20 سبتمبر، أبلغ العديد من المستخدمين عن بطء في الوصول للأخبار على موقعي «بي بي سي» و«الحرة»، كان الموقعان قد تناولا المظاهرات التي نُظّمت في عدد من الأماكن منها ميدان التحرير ونشرا مقاطع مصورة وتغطية صحفية للمظاهرات، ما يُرجّح أن يكون هذا سبب حجب الموقعين بالكامل في اليوم التالي (21 سبتمبر). وقد تم التأكد من أن السلطات المصرية قد حجبت موقع «بي بي سي» على شبكات فودافون و«We» واتصالات وأورانج، وموقع قناة الحرة على شبكتي فودافون و«We».

وبالبحث عن السند القانوني لحجب «بي بي سي» و«الحرة»، نجد أن تصريحات مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، تؤكد أن المجلس لم يتخذ قرار الحجب، حيث قال مكرم في أحد تصريحاته بشأن حجب «بي بي سي»: «من المُرجح أن تكون السلطات قد حجب موقع بي بي سي»، كما أن المجلس ليس من شأنه اتخاذ إجراءات تقنية مثل خنق الوصول واستخدام بعض تطبيقات المراسلة الفورية لعدم اختصاصه. أما عن النائب العام ووزارة الداخلية فسلطتهما مقيدة في كل الأحوال بعرض أمر الحجب على المحكمة، وهو ما لم يحدث حسب المعلومات المُتاحة حتى الآن، ويؤكد على ذلك خلو البيانات الصادرة من النائب العام ووزارة الداخلية من معلومات تتعلق بهذا الأمر.

حجب تطبيقات التراسل الفوري

كذلك لجأت السلطات إلى حجب عدد من تطبيقات التراسل الفوري:

«Wire»

في 21 سبتمبر، تأكد وجود محاولات لحجب تطبيق (Wire)؛ واحد من أهم التطبيقات الذي يُوصى به كتطبيق للتراسل الفوري الآن، ويوفّر تشفير من نوع End-To-End. بدأ الحجب على شبكة فودافون (3g/4g) حيث حُجبت مجموعة من النطاقات التي يستخدمها التطبيق ليعمل بطريقة طبيعية في إرسال واستقبال الرسائل والمكالمات الصوتية. وتستخدم هذه النطاقات عناوين «آي.بي» مُتغيّره مُقدّمة من Amazon AWS. فيما يلي النطاقات التي حُجبت:

https://prod-nginz-https.wire.com/

https://prod-nginz-ssl.wire.com/

https://prod-assets.wire.com/

https://wire-app.wire.com/

https://clientblacklist.wire.com/

بعد أن انتشرت النصائح التقنية التي تتناول بدائل تطبيقات التراسل الفوري الشهيرة، ركّزت السلطات المصرية على حجب هذه النوعية من التطبيقات. فبعد حجب «Wire»، تأكدنا من حجب موقع تطبيق Signal وموقع تطبيق Wicker على شبكة فودافون في 26 سبتمبر. وفي اليوم التالي، تأكدنا من قيام السلطات بحجب 14 موقعًا من مواقع تطبيقات التراسل الفوري:

  • على فودافون، حُجب Wickr، Signal ،Wire
  • على شبكة «We»، حُجب Wechat ،Line.me ،Surespot.me ،Pryvatenow Skype، ICQ، Groupme، Kik، Voxer، Zello، Trillian

الفحص العميق لحزم البيانات

أظهرت بعض القياسات التي أُجريت يومي (23 و24 سبتمبر) عن وجود مؤشرات ربما تعني أن السلطات المصرية تستخدم تقنية الفحص العميق للحزم (Deep packet inspection) في رقابتها على الإنترنت. وقد أكد ذلك تقرير صادر يوم 26 سبتمبر من المرصد المفتوح لاعتراض الشبكات (OONI) عن أن بعض مقدمي خدمة الإنترنت في مصر (كمثال شركة we) تقوم بالفعل بحجب المواقع عن طريق استخدام تقنية الفحص العميق لحزم البيانات (DPI).

تكتيكات جديدة

إلى جانب طرق الحجب المعتاد، توسعت السلطات في استخدام تكتيكات جديدة بشكل غير مسبوق. تقنيًا، حاولت السلطات حجب كل أو بعض خدمات عمالقة التواصل الاجتماعي وفي مقدمتهم تويتر وفيسبوك، كما حاولت التأثير على عدد من هذه الخدمات في نطاقات جغرافية محددة.

حجب تويتر 

أبلغ العديد من المستخدمين عن عدم قدرتهم على التعامل مع موقع تويتر يوم 24 سبتمبر. وبإجراء اختبارات وجمع القياسات، وجد أنه يُرجّح أن تكون السلطات المصرية قد حاولت حجب الموقع على شبكات فودافون و«we» وأورانج واتصالات. كما لوحظ أن الحجب الذي يتعرّض له تويتر متقطع، في بعض الأحيان يمكن الوصول له وفي أحيان أخرى لا يمكن. كما يُرجح قيام فودافون بخنق الاتصال لموقع تويتر (throttling).

ويُرجح تعرض جميع النطاقات التي تشترك مع twitter.com في نفس عناوين (آي.بي) للحجب على شبكتي «we» واتصالات بسبب قيام الشبكتين بحجب Twitter بالاعتماد على تكنيك TCP/IP blocking. كما رُصد أيضًا حجب جميع النطاقات السابق ذكرها على فودافون.

يستخدم نطاق تويتر الرئيسي عناونين (آي.بي): 104.244.42.65 و104.244.42.129. وهما نفس العناونين اللذين يستخدمهما تطبيق تويتر على أندرويد. وقد وُجدت مجموعة من النطاقات التابعة لتويتر والتي تستخدم نفس العناونين السابق ذكرهما:

jhpath.com

twitter.com

twitter.eus

twitter.hk

twitter.jp

Twitter.org

equity-app.com

milchreis.xyz

twittertrademarks.com

twopensource.com

فيسبوك ماسنجر

يُرجّح أن تكون السلطات المصرية قد حاولت حجب موقع فيسبوك ماسنجر (https://www.messenger.com) على فودافون و«we». وأبلغ المستخدمون عن ظهور رسالة «Waiting for network» من تطبيق ماسنجر على أندرويد، ورسالة «messenger is currently unavailable» على متصفحات الويب على الكمبيوتر، كذلك وجود بطء في الوصول لفيسبوك ماسنجر، ما يُرجح وجود خنق للاتصال به (throttling).

يعتمد فيسبوك وخدماته المختلفة، بما فيها فيسبوك ماسنجر، على شبكات توزيع المحتوى (CDN) ما يعني اختلاف عناوين (آي.بي) التي يعتمد عليها فيسبوك باختلاف عوامل متعددة، على سبيل المثال الموقع الجغرافي.

ويُرجح تعرض فيسبوك ماسنجر والتطبيق الخاص به على الهواتف المحمولة للحجب في مصر. الحجب الذي تعرّض له فيسبوك ماسنجر متقطع؛ في بعض الأحيان يمكن الوصول له وفي أحيان أخرى لا يمكن.

في 24 سبتمبر، بدا أن السلطات المصرية تُركّز على الإنترنت المحمول في ممارستها للرقابة على الإنترنت أثناء دعوات التظاهر، فقد رُصد حجب جغرافي لتويتر وفيسبوك في منطقة وسط المدينة بالقاهرة وميدان التحرير على شبكات الإنترنت المحمول المختلفة.

إذا لم تستطع السيطرة على الخدمة، حاول السيطرة على المستخدمين

لم تكتف السلطات بكل هذا. استخدمت القوات الشرطية وأجهزة جمع المعلومات التابعة لوزارة الداخلية وسيلة جديدة لاستهداف المواطنين، عن طريق الفحص العشوائي للهواتف المحمولة، وهي ممارسة لم يتم اتباعها قبل ذلك على نطاق واسع كما حدث في الأيام الماضية. فبعد أن كان الهدف الأساسي خلال الأعوام السابقة التركيز على مديري الصفحات وتتبع أنشطتهم وخصوصًا المُنخرطين في أنشطة تتعلق بالحركات السياسية أو روابط مُشجعي الأندية والعاملين بمجال الصحافة، باتت وزارة الداخلية تستخدم الكمائن لاستيقاف المواطنين والبحث في أنشطتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة منشورات الأصدقاء والصفحات التي يتابعها الشخص الذي يتم فحصه.

عملية الفحص لم تكن في الشارع ومن خلال الجهات الشرطية فقط، بل تمت أيضًا أثناء التحقيقات داخل النيابة، وهو ما يؤكد أن عملية القبض بالكامل كانت أمرًا عشوائيًا، حيث بُنيت أغلب التحقيقات على اتهام بنشر الأخبار الكاذبة، تلك الأخبار -رغم عدم دقة الوصف والتكييف القانوني- لم يتصل علم النيابة بها إلا أثناء التحقيق، وهو ما عبر عنه النائب العام نفسه في بيان، حيث أوضح أن النيابة «أصدرت أمرها بفحص صفحات وحسابات المتهمين على مواقع التواصل الاجتماعي» خلال التحقيقات، وهو ما يطرح سؤالًا عن الأساس القانوني للقبض إن لم تكن النيابة على علم بما نُشر! ما يُثير الدهشة أن عددًا من الذين خضعوا للتحقيق لم يكن لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي من الأصل.

تدل هذه الممارسة على أن النظام يرى أن دائرة المُشتبه بهم لم تعد محدودة، وأن الأجهزة التي تعمل على المراقبة الجماعية لمواقع التواصل الاجتماعي قد فشلت في احتواء كم المعلومات والتفاعل مع أحداث سبتمبر، وهنا بدأت فوضى القبض العشوائي والفحص الفوري للهواتف المحمولة. بالطبع الإجراءات المنهجية التي انتهجتها وزارة الداخلية تتعارض مع كل الحقوق التي يكفلها الدستور والوثائق الدولية التي وقعت عليها مصر، بل تتعارض مع قواعد الإجراءات الجنائية، بما يُشير إلى بطلان جميع الإجراءات التي ترتبت عليها، ولا يبرر صحتها قانون الطوارئ أو غيره.